
مناحيم زِهروني
لاستماع النص، اضغطوا على المشغّل
كان مناحيم زهروني معلّم الطبيعة الأسطوري في كفار يهوشوع، ويمكن القول إنه كان «مهووسًا بالأمر» – الرجل الذي بادر إلى تأسيس بيت حنكين وبناه، وكرّس له كل طاقته، وملأه بالمعروضات والمضامين والنشاط التربوي.
وصل زهروني إلى كفار يهوشوع عام 1936 مع زوجته يافا. كان مهاجرًا جديدًا من بولندا، معلّمًا شابًا في بداية طريقه، لكنه كان ممتلئًا بنظريات تربوية متقدّمة لزمنها، ومشحونًا بأيديولوجيا صهيونية متحمّسة. وفي كفار يهوشوع وجد نمط الحياة الذي حلم به: مجتمع روّاد يعملون في الأرض، يستطيع داخله تحقيق رسالته في التربية والتعليم.
كان زهروني معلّمًا كاريزميًا ومحبوبًا، واستثمر في المدرسة كل روحه.
يروي زئيفيك غفعولي، الذي كان أحد تلاميذه:
«أوه… مناحيم… كنز كامل. كان شخصية مميّزة. ليس شخصية سهلة. كانت لديه مطالب عالية جدًا، من نفسه كما كان يطالب الآخرين، كان يطالب نفسه».
ويروي أوري بن درور:
«كنّا نُعجب به. جاء من أوروبا، من بولندا. وكانت هذه الاحتفالية بإسرائيل واستقلال إسرائيل، وإمكانية الاتصال بالطبيعة، شيئًا خاصًا بالنسبة له. وقد قرّبنا إلى الطبيعة: إلى النباتات والطيور وكل الحيوانات البرّية.
وكان أيضًا معلّمًا للأدب ولتاريخ أرض إسرائيل، وفي الأدب كان يقرأ لنا “إيديلية” لتشرنيحوفسكي وكان يبكي. كان يأخذنا معه بصورة لا تُصدّق».
في البداية علّم زهروني جميع المواد: التوراة، الأدب، وحتى الرياضيات. لكن قلبه مال أساسًا إلى مواد الطبيعة والعلوم، فركّز عليها لاحقًا. ما نقصه في تعليمه أكمله ليلًا، واستغل العطل لدورات في المعهد البيولوجي ليهوشوع مرغولين في تل أبيب.
في كوخ صغير في ساحة المدرسة أسّس زهروني غرفة طبيعة امتلأت عبر السنين بمئات القطع. وأضاف أيضًا ملصقات مرسومة يدويًا، وأدوات ومواد تعليمية. كانت التعلّم في أحضان الطبيعة جزءًا جوهريًا من فلسفته التربوية.
وهكذا كتب زهروني:
«تُلقى على المعلّم في جيلنا مهام تربوية مصيرية لتشكيل صورة الشعب في أرضه، ولتعزيز روابطه النفسية مع أرض الوطن. لا يربّي على الحبّ إلا إنسان مُحبّ».
ويروي أوري بن درور:
«كان مناحيم يحب البلاد بصورة غير عادية، وكانت لديه معرفة هائلة: جغرافيا وجيولوجيا وتوراة وتاريخ… كل شيء. كنا نمشي على الأقدام؛ أتذكر أننا نزلنا إلى سهل يفنئيل ثم صعدنا إلى فوقريا وحرثنا تلك الأماكن… كان رومانسيًا. وكان يؤلف أغاني أيضًا. سرنا على طول شاطئ البحر من عتليت إلى بتاح تكفا، وكنا نمشي ونغنّي أغنيته».
وتروي رينا بورات:
«كان نهجه صهيونيًا. يجب أن نعرف أرض إسرائيل، ويجب أن نعرف الطبيعة أيضًا.
…في أيام السبت كنا نتجوّل معه هنا في الحقول؛ في الحقول أشياء كثيرة لنراها: حيوانات، وزهور… مع السنين اكتشف مناحيم الكرمل بكل ما فيه، وكنا نتجوّل كثيرًا على الكرمل. كنا نسافر بقطار المرج حتى ياغور ومن هناك نتسلق سيرًا. مناحيم درس الكرمل وعلّمه طوال السنين، كم كتابًا كتب عن طبيعة الكرمل».
إضافة إلى الرحلات، طوّر زهروني أساليب تدريس متنوعة للتعلّم خارج الصفوف، ولهذا أقام في المدرسة مختبرات بيولوجيا وفيزياء، وركن حيوانات، وحديقة نباتية، ومرصد نجوم. وقد منح طلابه تجربة تعلّم بحثية تنبع من الفضول والمتعة.
في عام 1949، بعد أن أصبح كوخ الطبيعة صغيرًا على استيعاب المجموعات الكثيرة التي تراكمت، بدأ زهروني ببناء بيت حنكين. حصل على ميزانيات لإقامة مبنى فخم ومتطوّر، فقام المبنى وأصبح حقيقة.
في عام 1960 غادر زهروني القرية وترك فراغًا كبيرًا. انتقل مع عائلته إلى حيفا، حيث عُيّن رئيسًا لمسار البيولوجيا في كلية إعداد المعلّمين على اسم غوردون.
كان زهروني شريكًا أيضًا في تأسيس جمعية حماية الطبيعة وفي صياغة برامجها التعليمية، وكان من مؤسسي الجمعية لما قبل التاريخ، وناشطًا في جمعية استكشاف أرض إسرائيل وآثارها. على امتداد سنواته كتب ونشر مئات المقالات في شؤون الطبيعة ومعرفة البلاد والتربية، وشارك في كتابة وتحرير أطالس، ومداخل في موسوعات، ومنشورات علمية.
في الزاوية التي أمامنا تقف طاولة تلميذ حُفظت منذ بدايات المدرسة في كفار يهوشوع. وعلى الرفّ وُضع كتاب التوراة الضخم الخاص بزهروني، الذي يضم أيضًا العهد الجديد. طُبع الكتاب في ألمانيا في القرن السابع عشر، وقد قُدِّم لزهروني هدية من أبناء حركة «المكويا» في اليابان. وعلى الرفوف توجد بعض كتاباته، من بين المئات التي كتبها ونشرها في حياته.
رحل زهروني عن الدنيا قبل أوانه، في حادث، أثناء تجواله عند سفوح الكرمل. لكن شخصيته الكاريزمية تركت أثرها العميق في شخصيات وقيم أجيال كثيرة من تلاميذه.
وتقول رينا بورات:
«لقد منحنا حقًا مساهمة هائلة. أشعر شخصيًا أنني تلقيت منه مساهمة كبيرة في حياتي، في من أكون».
